ابن أبي الحديد
212
شرح نهج البلاغة
أنبيائه ، ثم قالت : أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عودا على بدء ، وما أقول ذلك سرفا ولا شططا ، فاسمعوا بأسماع واعية ، وقلوب راعية ، ثم قالت : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) ( 1 ) فإن تعزوه تجدوه أبى دون آبائكم ، وأخا أبن عمى دون رجالكم ، ثم ذكرت كلاما طويلا سنذكره فيما بعد في الفصل الثاني تقول ، في آخره : ثم أنتم الان تزعمون أن لا إرث لي ، ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) ( 2 ) إيها معاشر المسلمين ، ابتز إرث أبى ! أبى الله أن ترث يا بن أبي قحافة أباك ولا أرث أبى ، لقد جئت شيئا فريا ! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ! ثم التفتت إلى قبر أبيها فتمثلت بقول هند بنت أثاثة : قد كان بعدك أنباء وهينمة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب ( 3 ) أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما قضيت وحالت دونك الكتب تجهمتنا رجال واستخف بنا * إذا غبت عنا فنحن اليوم نغتصب قال : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ . ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت : يا معشر البقية ، وأعضاد الملة ، وحضنة الاسلام ، ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونية عن معونتي ، والغمزة في حقي ، والسنة عن ظلامتي ! أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( المرء يحفظ في ولده ) ! سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم . ألان مات رسول الله صلى الله عليه وآله أمتم دينه ! ها إن موته لعمري خطب جليل استوسع وهنه ،
--> ( 1 ) سورة التوبة 128 ، 129 . ( 2 ) سورة المائدة 50 . ( 3 ) الهينمة : الصوت الخفي ، وانظر اللسان .